Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:209
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّهُ لا وُجُوبَ لِشَيْءٍ قَبْلَ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ بِشَرْطِ مَجِيءِ البَيِّناتِ، ولَفْظُ ”البَيِّناتِ“ لَفْظُ جَمْعٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مَشْرُوطٌ بِمَجِيءِ كُلِّ البَيِّناتِ وقَبْلَ الشَّرْعِ لَمْ تَحْصُلْ كُلُّ البَيِّناتِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الوَعِيدُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَقَرَّرَ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنَ السُّفَهاءِ والكُفّارِ السَّفاهَةَ والكُفْرَ لَما جازَ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ حَكِيمٌ، لِأنَّ مَن فَعَلَ السَّفَهَ وأرادَهُ كانَ سَفِيهًا، والسَّفِيهُ لا يَكُونُ حَكِيمًا. أجابَ الأصْحابُ بِأنَّ الحَكِيمَ هو العالِمُ بِعَواقِبِ الأُمُورِ؛ فَيَرْجِعُ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى حَكِيمًا إلى أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ خالِقًا لِكُلِّ الأشْياءِ ومُرِيدًا لَها، بَلْ يُوجِبُ ذَلِكَ لِما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ أرادَ ما عُلِمَ عَدَمُهُ لَكانَ قَدْ أرادَ تَجْهِيلَ نَفْسِهِ فَقالُوا: لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَكانَ إذا أمَرَ بِما عُلِمَ عَدَمُهُ فَقَدْ أمَرَ بِتَجْهِيلِ نَفْسِهِ.