Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:208
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فالمَعْنى: ولا تُطِيعُوهُ، ومَعْرُوفٌ في الكَلامِ أنْ يُقالَ فِيمَنِ اتَّبَعَ سُنَّةَ إنْسانٍ اقْتَفى أثَرَهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ: اتَّبَعْتُ خُطُواتِهِ. وخُطُواتٌ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ ”مُبِينٌ“ مِن صِفاتِ البَلِيغِ الَّذِي يُعْرِبُ عَنْ ضَمِيرِهِ، وأقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدُّخانِ: ٢] ولا يَعْنِي بِقَوْلِهِ مُبِينًا إلّا ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُ الشَّيْطانِ بِأنَّهُ مُبِينٌ مَعَ أنّا لا نَرى ذاتَهُ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ.
قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَداوَتَهُ لِآدَمَ ونَسْلِهِ فَلِذَلِكَ الأمْرِ صَحَّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ وإنْ لَمْ يُشاهَدْ، ومِثالُهُ: مَن يُظْهِرُ عَداوَتَهُ لِرَجُلٍ في بَلَدٍ بَعِيدٍ فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَلانًا عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكَ وإنْ لَمْ يُشاهِدْهُ في الحالِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ الأصْلَ في الإبانَةِ القَطْعُ، والبَيانُ إنَّما سُمِّيَ بَيانًا لِهَذا المَعْنى، فَإنَّهُ يَقْطَعُ بَعْضَ الِاحْتِمالاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَوَصْفُ الشَّيْطانِ بِأنَّهُ مُبِينٌ مَعْناهُ أنَّهُ يَقْطَعُ المُكَلَّفَ بِوَسْوَسَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وثَوابِهِ ورِضْوانِهِ.