Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:208
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى، وغَلُبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ، وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفِيهِ لُغاتٌ ثَلاثٌ: السِّلْمُ، والسَّلْمُ، والسَّلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا السِّلْمَ عَلى الإسْلامِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في الإسْلامِ، والإيمانُ هو الإسْلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ ادْخُلُوا بِكُلِّيَّتِكم في الإسْلامِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، أيْ آثارَ تَزْيِينِهِ وغُرُورِهِ في الإقامَةِ عَلى النِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ عَقِيبَ ما مَضى مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآيَةَ. فَلَمّا وصَفَ المُنافِقَ بِما ذَكَرَ دَعا في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإيمانِ بِالقَلْبِ وتَرْكِ النِّفاقِ.