Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:204-206
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ القَبائِحَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ قالُوا: والمَحَبَّةُ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ [النُّورِ: ١٩] والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهم يُرِيدُونَ، وأيْضًا نُقِلَ عَنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ أحَبَّ لَكم ثَلاثًا، وكَرِهَ لَكم ثَلاثًا، أحَبَّ لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَناصَحُوا مِن وُلاةِ أمْرِكم، وكَرِهَ لَكُمُ القِيلَ والقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» “ فَجَعَلَ الكَراهَةَ ضِدَّ المَحَبَّةِ، ولَوْلا أنَّ المَحَبَّةَ عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ وإلّا لَكانَتِ الكَراهَةُ ضِدًّا لِلْإرادَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ المَحَبَّةُ غَيْرَ الإرادَةِ لَصَحَّ أنْ يُحِبَّ الفِعْلَ وإنْ كَرِهَهُ؛ لِأنَّ الكَراهَةَ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما تُضادُّ الإرادَةَ دُونَ المَحَبَّةِ، قالُوا: وإذا ثَبَتَ أنَّ المَحَبَّةَ نَفْسُ الإرادَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ واللَّهُ لا يُرِيدُ الفَسادَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافِرٍ: ٣١] بَلْ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ أقْوى لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما وقَعَ مِنَ الفَسادِ مِن هَذا المُنافِقِ ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ إشارَةً إلَيْهِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الواقِعَ وقَعَ لا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الفَسادَ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ خالِقًا لَهُ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يُمْكِنُ إلّا مَعَ الإرادَةِ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى مَسْألَةِ الإرادَةِ ومَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ.