Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:204-206
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن فَسَّرَ الفَسادَ بِالتَّخْرِيبِ قالَ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهُ أوَّلًا عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَهُ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ومَن فَسَّرَ الإفْسادَ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ قالَ: كَما أنَّ الدِّينَ الحَقَّ أمْرانِ؛ أوَّلُهُما العِلْمُ، وثانِيهِما العَمَلُ، فَكَذا الدِّينُ الباطِلُ أمْرانِ أوَّلُهُما الشُّبُهاتُ، وثانِيهِما فِعْلُ المُنْكَراتِ، فَهَهُنا ذَكَرَ تَعالى أوَّلًا مِن ذَلِكَ الإنْسانِ اشْتِغالَهُ بِالشُّبُهاتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُفْسِدَ فِيها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا إقْدامَهُ عَلى المُنْكَراتِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ ولا شَكَّ في أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ أوْلى ثُمَّ مَن قالَ: سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الأخْنَسَ مَرَّ بِزَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَأحْرَقَ الزَّرْعَ وقَتَلَ الحُمُرَ قالَ: المُرادُ بِالحَرْثِ الزَّرْعُ، وبِالنَّسْلِ تِلْكَ الحُمُرُ، والحَرْثُ هو ما يَكُونُ مِنهُ الزَّرْعُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقِعَةِ: ٦٣] وهو يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يُحْرَثُ ويُرْزَعُ مِن أصْنافِ النَّباتِ، وقِيلَ: إنَّ الحَرْثَ هو شَقُّ الأرْضِ، ويُقالُ لِما يُشَقُّ بِهِ: مِحْرَثٌ، وأمّا النَّسْلُ فَهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ نَسْلُ الدَّوابِّ، والنَّسْلُ في اللُّغَةِ: الوَلَدُ، واشْتِقاقُهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: نَسَلَ يَنْسِلُهُ إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، ومِنهُ نَسَلَ رِيشُ الطّائِرِ، ووَبَرَ البَعِيرُ، وشَعَرَ الحِمارُ، إذا خَرَجَ فَسَقَطَ، والقِطْعَةُ مِنها إذا سَقَطَتْ نُسالَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] أيْ يُسْرِعُونَ، لِأنَّهُ أسْرَعَ الخُرُوجَ بِحِدَّةٍ، والنَّسْلُ الوَلَدُ لِخُرُوجِهِ مِن ظَهْرِ الأبِ وبَطْنِ الأُمِّ وسُقُوطِهِ، والنّاسُ نَسْلُ آدَمَ، وأصْلُ الحَرْفِ مِنَ النُّسُولِ وهو الخُرُوجُ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ: أنَّ الأخْنَسَ بَيَّتَ عَلى قَوْمِ ثَقِيفٍ وقَتَلَ مِنهم جَمْعًا، فالمُرادُ بِالحَرْثِ: إمّا النِّسْوانُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٣] أوِ الرِّجالُ وهو قَوْلُ قَوْمٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الحَرْثَ بِشَقِّ الأرْضِ، إذِ الرِّجالُ هُمُ الَّذِينَ يَشُقُّونَ أرْضَ التَّوْلِيدِ، وأمّا النَّسْلُ فالمُرادُ مِنهُ الصِّبْيانُ.