Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:204-206
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الفَسادِ: أنَّهُ كانَ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن حَضْرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ يَشْتَغِلُ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ قالُوا لَهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٧] أيْ يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ، ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شَرِيعَتَهم، وقالَ أيْضًا: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾ [غافِرٍ: ٢٦] وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ١١] ما يَقْرُبُ مِن هَذا الوَجْهِ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا في الأرْضِ لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهم ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ ويَنْسِفُكَ الدِّماءُ، قالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٢] فَأخْبَرَ أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا عَنْ دِينِهِ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى الفَسادِ في
صفحة ١٧١
الأرْضِ، وقَطْعِ الأرْحامِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ قُلْنا وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، واعْلَمْ أنَّ حَمْلَ الفَسادِ عَلى هَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى التَّخْرِيبِ والنَّهْبِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ.