Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:204-206
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الِاحْتِياطِ؛ لِأنّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى العُمُومِ دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ، وأمّا إذا خَصَصْناهُ بِذَلِكَ الشَّخْصِ لَمْ يَثْبُتِ الحُكْمُ في غَيْرِهِ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى العُمُومِ أوْلى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الآيَةَ هَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُنافِقٌ أمْ لا، والصَّحِيحُ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ هَذا المَذْكُورَ بِصِفاتٍ خَمْسَةٍ، وشَيْءٌ مِنها لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ فَأوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهَذا لا
صفحة ١٦٩
دَلالَةَ فِيهِ عَلى صِفَةٍ مَذْمُومَةٍ إلّا مِن جِهَةِ الإيماءِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ إذا قِيلَ: إنَّهُ حُلْوُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا أوْهَمَ نَوْعًا مِنَ المَذَمَّةِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى حالَةٍ مُنْكَرَةٍ، فَإنْ أضْمَرْنا فِيهِ أنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فالكَلامُ مَعَ هَذا الإضْمارِ لا يَدُلُّ عَلى النِّفاقِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ الَّذِي يُظْهِرُهُ لِلرَّسُولِ مِن أمْرِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ يُضْمِرُ خِلافَهُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ مُنافِقًا، بَلْ لَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ يُضْمِرُ الفَسادَ ويُظْهِرُ ضِدَّهُ حَتّى يَكُونَ مُرائِيًا.