Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:203
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما ذُكِرَ مُبالَغَةً في بَيانِ أنَّ الحَجَّ سَبَبٌ لِزَوالِ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرِ الآثامِ وهَذا مِثْلُ أنَّ الإنْسانَ إذا تَناوَلَ التِّرْياقَ، فالطَّبِيبُ يَقُولُ لَهُ: الآنَ إنْ تَناوَلْتَ السُّمَّ فَلا ضَرَرَ، وإنْ لَمْ تَتَناوَلْ فَلا ضَرَرَ، مَقْصُودُهُ مِن هَذا بَيانُ أنَّ التِّرْياقَ دَواءٌ كامِلٌ في دَفْعِ المَضارِّ، لا بَيانَ أنَّ تَناوُلَ السُّمِّ وعَدَمَ تَناوُلِهِ يَجْرِيانِ مَجْرًى واحِدًا، فَكَذا هَهُنا المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ المُبالَغَةِ في كَوْنِ الحَجِّ مُكَفِّرًا لِكُلِّ الذُّنُوبِ، لا بَيانُ أنَّ التَّعَجُّلَ وتَرْكَهُ سِيّانِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الحَجِّ سَبَبًا قَوِيًّا في تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» “ .
وخامِسُها: أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ قالُوا: الجِوارُ مَكْرُوهٌ، لِأنَّهُ إذا جاوَرَ الحَرَمَ والبَيْتَ سَقَطَ وقْعُهُ عَنْ عَيْنِهِ، وإذا كانَ غائِبًا ازْدادَ شَوْقُهُ إلَيْهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ أحَدِنا عَلى هَذا المَعْنى أنَّ مَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَحالُهُ أفْضَلُ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، فَقَدِ اخْتارَ المَقامَ بِمِنًى وتَرَكَ الِاسْتِعْجالَ في الطَّوافِ فَلِهَذا السَّبَبِ يَبْقى في الخاطِرِ تَرَدُّدٌ في أنَّ المُتَعَجِّلَ أفْضَلُ أمِ المُتَأخِّرَ ؟ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا إثْمَ ولا حَرَجَ في واحِدٍ مِنهُما.