Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:203
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في مَناسِكِ الحَجِّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ والأيّامَ المَعْلُوماتِ فَقالَ هُنا: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ وقالَ في سُورَةِ الحَجِّ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٨] فَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ المَعْلُوماتِ هي العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ آخِرُها يَوْمُ النَّحْرِ، وأمّا المَعْدُوداتُ فَثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، واحْتَجَّ عَلى أنَّ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ بِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأيّامَ المَعْدُوداتِ، والأيّامُ لَفْظُ جَمْعٍ فَيَكُونُ أقَلُّها ثَلاثَةً، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ مِن هَذِهِ الأيّامِ المَعْدُوداتِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ إنَّما ثَبَتَ في أيّامِ مِنًى، وهي أيّامُ التَّشْرِيقِ، فَعَلِمْنا أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، والقَفّالُ أكَدَّ هَذا بِما رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعْمانَ الدَّيْلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ مُنادِيًا فَنادى: ”«الحَجُّ عَرَفَةُ، مَن جاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وأيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأيّامَ المَعْدُوداتِ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أيّامُ التَّشْرِيقِ هي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أوَّلُها: يَوْمُ النَّفْرِ، وهو اليَوْمُ الحادِي عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ يَنْفُرُ النّاسُ فِيهِ بِمِنًى، والثّانِي: يَوْمُ النَّفْرِ الأوَّلُ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَنْفُرُونَ في هَذا اليَوْمِ مِن مِنًى، والثّالِثُ: يَوْمُ النَّفْرِ الثّانِي، وهَذِهِ الأيّامُ الثَّلاثَةُ مَعَ يَوْمِ النَّحْرِ كُلُّها أيّامُ النَّحْرِ، وأيّامُ رَمْيِ الجِمارِ في هَذِهِ الأيّامِ الأرْبَعَةِ مَعَ يَوْمِ عَرَفَةَ أيّامُ التَّكْبِيرِ أدْبارَ الصَّلَواتِ عَلى ما سَنَشْرَحُ مَذاهِبَ النّاسِ فِيهِ.