Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:199
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي: بِأنَّ التَّوْقِيتَ بِالزَّمانِ والمَكانِ يَتَشابَهانِ جِدًّا فَلا يَبْعُدُ جَعْلُ اللَّفْظِ المُسْتَعْمَلِ في أحَدِهِما مُسْتَعْمَلًا في الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِنَ ”النّاسِ“ إمّا الواقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، وإمّا إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وأتْباعُهُما، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إنَّ المُرادَ بِالنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بِقِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ”ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ“ وقالَ: هو آدَمُ نَسِيَ ما عُهِدَ إلَيْهِ، ويُرْوى أنَّهُ قَرَأ ”النّاسِ“ بِكَسْرِ السِّينِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ، والمَعْنى: أنَّ الإفاضَةَ مِنعَرَفاتٍ شَرْعٌ قَدِيمٌ فَلا تَتْرُكُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالقَلْبِ، وهو أنْ يَنْدَمَ عَلى كُلِّ تَقْصِيرٍ مِنهُ في طاعَةِ اللَّهِ، ويَعْزِمَ عَلى أنْ لا يُقَصِّرَ فِيما بَعْدُ، ويَكُونَ غَرَضُهُ في ذَلِكَ تَحْصِيلَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا لِمَنافِعِهِ العاجِلَةِ، كَما أنَّ ذِكْرَ الشَّهادَتَيْنِ لا يَنْفَعُ إلّا والقَلْبُ حاضِرٌ مُسْتَقِرٌّ عَلى مَعْناهُما، وأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ حُصُولِ التَّوْبَةِ بِالقَلْبِ فَهو إلى الضَّرَرِ أقْرَبُ.