Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:199
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فاتَّقَوْنِ يا أُولِي الألْبابِ، ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ يَصِحُّ في هَذِهِ الإفاضَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ بِعَيْنِها.
قُلْنا: هَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُهُ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مِن غَيْرِ التِزامٍ إلى ما ذَكَرْتُمْ فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى التِزامِهِ ؟
وأمّا الإشْكالُ عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو أنَّ القَوْلَ لا يَتَمَشّى إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ ﴿مِن حَيْثُ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عَلى الزَّمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ لا بِالزَّمانِ.
أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ بِأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هَهُنا عَلى مِثالِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البَلَدِ: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدِ: ١٧] أيْ كانَ مَعَ هَذا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ أعْطَيْتُكَ أمْسِ كَذا فَإنَّ فائِدَةَ كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا تَأخُّرُ أحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا تَأخُّرُ هَذا المُخْبَرِ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ المُخْبَرِ عَنْهُ.