Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:198
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى القِيامِ بِوَظائِفِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ تَوْقِيفَ الذِّكْرِ عَلى المَشْعَرِ الحَرامِ فِيهِ إقامَةٌ لِوَظائِفِ الشَّرِيعَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا قَرُبْتَ إلى مَراتِبِ الحَقِيقَةِ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ قَلْبُكَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، بَلْ عَنْ مَن سِواهُ؛ فَيَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ جَلالِهِ وصَمَدِيَّتِهِ، ويَذْكُرَهُ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ لِهَذا الذِّكْرِ، ولِأنَّ هَذا الذِّكْرَ يُعْطِيكَ نِسْبَةً شَرِيفَةً إلَيْهِ بِكَوْنِكَ في هَذِهِ الحالَةِ تَكُونُ في مَقامِ العُرُوجِ ذاكِرًا لَهُ ومُشْتَغِلًا بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وإنَّما بَدَأ بِالأوَّلِ وثَنّى بِالثّانِي لِأنَّ العَبْدَ في هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ في مَقامِ العُرُوجِ، فَيَصْعَدُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ لا يَشْرَحُهُ المَقالُ ولا يُعَبِّرُ عَنْهُ الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ، فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.