Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:198
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في أرْبَعِ آياتٍ، في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٣] الآيَةَ، قالَ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفَةَ في مَوْقِفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ في حَجَّةِ الوَداعِ، وقَدِ اضْمَحَلَّ الكُفْرُ، وهُدِّمَ بُنْيانُ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ ما لَهم في هَذِهِ الآيَةِ لَقَرَّتْ أعْيُنُهم» فَقالَ يَهُودِيٌّ لِعُمَرَ: لَوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلَيْنا لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا فَقالَ عُمَرُ: أمّا نَحْنُ فَجَعَلْناهُ عِيدَيْنِ، كانَ يَوْمَ عَرَفَةَ ويَوْمَ الجُمُعَةِ. فَأمّا مَعْنى: إياسِ المُشْرِكِينَ: فَهو أنَّهم يَئِسُوا مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَرْتَدُّوا راجِعِينَ إلى دِينِهِمْ، فَأمّا مَعْنى إكْمالِ الدِّينِ فَهو أنَّهُ تَعالى ما أمَرَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ، وأمّا إتْمامُ النِّعْمَةِ فَأعْظَمُ النِّعَمِ نِعْمَةُ الدِّينِ؛ لِأنَّ بِها يَسْتَحِقُّ الفَوْزَ بِالجَنَّةِ والخَلاصَ مِنَ النّارِ، وقَدْ تَمَّتْ في ذَلِكَ اليَوْمِ وكَذَلِكَ قالَ في آيَةِ الوُضُوءِ ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائِدَةِ: ٦] ولَمّا جاءَ البَشِيرُ وقَدِمَ عَلى يَعْقُوبَ، قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى دِينِ الإسْلامِ قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ، وأمّا مَعْنى الرِّضْوانِ فَهو أنَّهُ تَعالى رَضِيَ بِدِينِهِمُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ وهو الإسْلامُ، فَهي بِشارَةٌ بَشَّرَهم بِها في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَلا يَوْمَ أكْمَلُ مِنَ اليَوْمِ الَّذِي بَشَّرَهم فِيهِ بِإكْمالِ الدِّينِ، وقِيلَ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ صِلَةِ الواصِلِينَ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائِدَةِ: ٣] ويَوْمُ قَطِيعَةِ القاطِعِينَ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣] ويَوْمُ إقالَةِ عَثْرِ النّادِمِينَ، وقَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣] فَكَما تابَ بِرَحْمَتِهِ عَلى آدَمَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ يَتُوبُ عَلى أوْلادِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشُّورى: ٢٥] وهو أيْضًا يَوْمُ وفْدِ الوافِدِينَ ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ [الحَجِّ: ٢٧] وفي الخَبَرِ: ”«الحاجُّ وفْدُ اللَّهِ، والحاجُّ زُوّارُ اللَّهِ، وحَقٌّ عَلى المَزُورِ الكَرِيمِ أنْ يُكْرِمَ زائِرَهُ» “ .