Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:196
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولَفْظُ الآيَةِ مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ هُمُ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ المَسْجِدَ الحَرامِ ويَحْضُرُونَهُ، فَلَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ إلّا عَلَيْهِمْ، إلّا أنَّ الشّافِعِيَّ قالَ: كَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ المَسْجِدَ الحَرامَ، والمُرادُ مِنهُ الحَرَمُ، قالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسْراءِ: ١] ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّما أُسَرِيَ بِهِ مِنَ الحَرَمِ لا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحَجِّ: ٣٣] والمُرادُ الحَرَمُ؛ لِأنَّ الدِّماءَ لا تُراقُ في البَيْتِ والمَسْجِدِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ هَهُنا ما ذَكَرْناهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: الحاضِرُ ضِدُّ المُسافِرِ، وكُلُّ مَن لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا كانَ حاضِرًا، ولَمّا كانَ حُكْمُ السَّفَرِ إنَّما ثَبَتَ في مَسافَةِ القَصْرِ، فَكُلُّ مَن كانَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ لَمْ يَكُنْ مُسافِرًا وكانَ حاضِرًا.
الثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي أهْلَ القُرى حاضِرَةً وحاضِرِينَ، وأهْلَ البَرِّ: بادِيَةً وبادِينَ، ومَشْهُورُ كَلامِ النّاسِ: أهِلُ البَدْوِ والحَضَرِ يُرادُ بِهِما أهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ.