Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:196
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما مَكَّنَ المُحْصَرَ مِنَ التَّحَلُّلِ بِالذَّبْحِ لِيَتَمَكَّنَ مِن تَخْلِيصِ النَّفْسِ عَنْ خَوْفِ العَدُوِّ في الحالِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ النَّحْرُ إلّا في الحَرَمِ وما لَمْ يَحْصُلِ النَّحْرُ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ التَّحَلُّلُ في الحالِ، وذَلِكَ يُناقِضُ ما هو المَقْصُودُ مِن شَرْعِ هَذا الحُكْمِ، ولِأنَّ المُوصِلَ لِلنَّحْرِ إلى الحَرَمِ إنْ كانَ هو فَقَدْ نُفِيَ الخَوْفُ، وكَيْفَ يُؤْمَنُ بِهَذا الفِعْلِ مِن قِيامِ الخَوْفِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَقَدْ لا يَجِدُ ذَلِكَ الغَيْرَ فَماذا يَفْعَلُ ؟ .
حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَحِلَّ بِكَسْرِ عَيْنِ الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ المَكانِ، كالمَسْجِدِ والمَجْلِسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ بالِغٍ في الحالِ إلى مَكانِ الحِلِّ، وهو عِنْدَكم بالِغٌ مَحِلَّهُ في الحالِ.
جَوابُهُ: المَحِلُّ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ وأنَّ مِنَ المَشْهُورِ أنَّ مَحِلَّ الدَّيْنِ هو وقْتُ وُجُوبِهِ.
الثّانِي: هَبْ أنَّ لَفْظَ المَحِلِّ يَحْتَمِلُ المَكانَ والزَّمانَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ مِنهُ الحَرَمُ، فَإنَّ البَيْتَ عَيْنَهُ لا يُراقُ فِيهِ الدِّماءُ.