Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:196
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإحْرامَ شَرْعٌ لازِمٌ لا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ قَصْدًا، ألا تَرى أنَّهُ إذا جامَعَ امْرَأتَهُ حَتّى فَسَدَ حَجُّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِن إحْرامِهِ، وكَذَلِكَ لَوْ فاتَهُ الحَجُّ حَتّى لَزِمَهُ القَضاءُ والمَرَضُ لَيْسَ كالعَدُوِّ، ولِأنَّ المَرِيضَ لا يَسْتَفِيدُ بِتَحَلُّلِهِ ورُجُوعِهِ أمْنًا مِن مَرَضِهِ، أمّا المُحْصَرُ بِالعَدُوِّ فَإنَّهُ خائِفٌ مِنَ القَتْلِ إنْ أقامَ، فَإذا رَجَعَ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِن خَوْفِ القَتْلِ، فَهَذا ما عِنْدِي في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى ما يَلِيقُ بِالتَّفْسِيرِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَلَلْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٤٨] أيْ فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ، وفِيها إضْمارٌ آخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ، ثُمَّ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُقالَ: مَحَلُّ ”ما“ رَفْعٌ، والتَّقْدِيرُ: فَواجِبٌ عَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ.
والثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: لَوْ نَصَبْتَ عَلى مَعْنى: اهْدُوا ما تَيَسَّرَ كانَ صَوابًا، وأكْثَرُ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن أشْباهِهِ مَرْفُوعٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اسْتَيْسَرَ“ بِمَعْنى تَيَسَّرَ، ومِثْلُهُ: اسْتَعْظَمَ، أيْ: تَعَظَّمَ، واسْتَكْبَرَ: أيْ تَكَبَّرَ، واسْتَصْعَبَ: أيْ تَصَعَّبَ.