Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:196
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الحَصْرَ عِبارَةٌ عَنِ المَنعِ وإنَّما يُقالُ لِلْإنْسانِ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِن فِعْلِهِ ومَحْبُوسٌ عَنْ مُرادِهِ، إذا كانَ قادِرًا عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَنَعَهُ مانِعٌ عَنْهُ، والقُدْرَةُ عِبارَةٌ عَنِ الكَيْفِيَّةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ اعْتِدالِ المِزاجِ وسَلامَةِ الأعْضاءِ، وذَلِكَ مَفْقُودٌ في حَقِّ المَرِيضِ فَهو غَيْرُ قادِرٍ البَتَّةَ عَلى الفِعْلِ، فَيَسْتَحِيلُ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأنَّ إحالَةَ الحُكْمِ عَلى المانِعِ تَسْتَدْعِي حُصُولَ المُقْتَضِي، أمّا إذا كانَ مَمْنُوعًا بِالعَدُوِّ فَهَهُنا القُدْرَةُ عَلى الفِعْلِ حاصِلَةٌ، إلّا أنَّهُ تَعَذَّرَ الفِعْلُ لِأجْلِ مُدافَعَةِ العَدُوِّ، فَصَحَّ هَهُنا أنْ يُقالَ إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الفِعْلِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَةَ الإحْصارِ حَقِيقَةٌ في العَدُوِّ، ولا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في المَرَضِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ حُبِسْتُمْ ومُنِعْتُمْ والحَبْسُ لا بُدَّ لَهُ مِن حابِسٍ، والمَنعُ لا بُدَّ لَهُ مِن مانِعٍ، ويُمْتَنَعُ وصْفُ المَرَضِ بِكَوْنِهِ حابِسًا ومانِعًا، لِأنَّ الحَبْسَ والمَنعَ فِعْلٌ، وإضافَةُ الفِعْلِ إلى المَرَضِ مُحالٌ عَقْلًا، لِأنَّ المَرَضَ عَرَضٌ لا يَبْقى زَمانَيْنِ، فَكَيْفَ يَكُونُ فاعِلًا وحابِسًا ومانِعًا، أمّا وصْفُ العَدُوِّ بِأنَّهُ حابِسٌ ومانِعٌ، فَوَصْفٌ حَقِيقِيٌّ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى مَجازِهِ.