Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:195
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأقُولُ: إنِّي لَأتَعَجَّبُ كَثِيرًا مِن تَكَلُّفاتِ هَؤُلاءِ النَّحْوِيِّينَ في أمْثالِ هَذِهِ المَواضِعِ، وذَلِكَ أنَّهم لَوْ وجَدُوا شِعْرًا مَجْهُولًا يَشْهَدُ لَما أرادُوهُ فَرِحُوا بِهِ، واتَّخَذُوهُ حُجَّةً قَوِيَّةً، فَوُرُودُ هَذا اللَّفْظِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى المَشْهُودِ لَهُ مِنَ المُوافِقِ والمُخالِفِ بِالفَصاحَةِ، أوْلى بِأنْ يَدُلَّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ واسْتِقامَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ تَقْتَضِي إمّا زِيادَةً أوْ نُقْصانًا، فَقالَ قَوْمٌ: الباءُ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا أيْدِيَكم إلى التَّهْلُكَةِ. وهو كَقَوْلِهِ: جَذَبْتُ الثَّوْبَ بِالثَّوْبِ، وأخَذْتُ القَلَمَ بِالقَلَمِ فَهُما لُغَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ مَشْهُورَتانِ، أوِ المُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ كَقَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] أوْ ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فالتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا بِأنْفُسِكم إلى التَّهْلُكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَهُنا حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى نَفْسِ النَّفَقَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى غَيْرِها، أمّا الأوَّلُونَ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا: