Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:190
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فِي قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِقِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، لَكِنَّ هَذا الحُكْمَ ما صارَ مَنسُوخًا.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّها دالَّةٌ عَلى المَنعِ مِن قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، فَهَذا غَيْرُ مُسَلَّمٌ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ فَهَذا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أُخَرَ سِوى ما ذَكَرْتُمْ، مِنها أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَبْدَؤُوا في الحَرَمِ بِقِتالٍ، ومِنها أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولا تَعْتَدُوا بِقِتالِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قِتالِهِ مِنَ الَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، أوْ بِالحِيلَةِ أوْ بِالمُفاجَأةِ مِن غَيْرِ تَقْدِيمِ دَعْوَةٍ، أوْ بِقَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ والشَّيْخِ الفانِي، وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ لا تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً.
فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَةِ، ولَكِنْ ما السَّبَبُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ أوَّلًا بِقِتالِ مَن يُقاتِلُ، ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ أذِنَ في قِتالِهِمْ سَواءً قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا.
قُلْنا: لِأنَّ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ المُسْلِمُونَ قَلِيلِينَ، فَكانَ الصَّلاحُ اسْتِعْمالَ الرِّفْقِ واللِّينِ والمُجامَلَةِ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ وكَثُرَ الجَمْعُ، وأقامَ مَن أقامَ مِنهم عَلى الشِّرْكِ، بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ وتَكَرُّرِها عَلَيْهِمْ حالًا بَعْدَ حالٍ، حَصَلَ اليَأْسُ مِن إسْلامِهِمْ، فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقِتالِهِمْ عَلى الإطْلاقِ.