Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:189
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَظْنُونِ، فَأمّا أنْ يَسْتَدِلَّ بِالمَظْنُونِ عَلى المَعْلُومِ فَذاكَ عَكْسُ الواجِبِ وضِدُّ الحَقِّ وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّ لِلْعالِمِ صانِعًا مُخْتارًا حَكِيمًا، وثَبَتَ أنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ إلّا الصَّوابَ البَرِيءَ عَنِ العَبَثِ والسَّفَهِ، ومَتى عَرَفْنا ذَلِكَ، وعَرَفْنا أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ القَمَرِ في النُّورِ مِن فِعْلِهِ عَلِمْنا أنَّ فِيهِ حِكْمَةً ومَصْلَحَةً، وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَنا بِهَذا الحَكِيمِ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا الحِكْمَةَ يُفِيدُنا القَطْعَ بِأنَّ فِيهِ حِكْمَةً، لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِالمَعْلُومِ عَلى المَجْهُولِ، فَأمّا أنْ يَسْتَدِلَّ بِعَدَمِ عِلْمِنا بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ لَيْسَ بِالحَكِيمِ، فَهَذا الِاسْتِدْلالُ باطِلٌ، لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِالمَجْهُولِ عَلى القَدْحِ في المَعْلُومِ إذا عَرَفْتَ هَذا، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ يَعْنِي أنَّكم لَمّا لَمْ تَعْلَمُوا حِكْمَتَهُ في اخْتِلافِ نُورِ القَمَرِ صِرْتُمْ شاكِّينَ في حِكْمَةِ الخالِقِ، فَقَدْ أتَيْتُمُ الشَّيْءَ لا مِنَ البِرِّ ولا مِن كَمالِ العَقْلِ إنَّما البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها فَتَسْتَدِلُّوا بِالمَعْلُومِ المُتَيَقِّنِ وهو حِكْمَةُ خالِقِها عَلى هَذا المَجْهُولِ فَتَقْطَعُوا بِأنَّ فِيهِ حِكْمَةً بالِغَةً، وإنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَها، فَجَعَلَ إتْيانَ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها كِنايَةً عَنِ العُدُولِ عَنِ الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ، وإتْيانَها مِن أبْوابِها كِنايَةً عَنِ التَّمَسُّكِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وهَذا طَرِيقٌ مَشْهُورٌ في الكِنايَةِ فَإنَّ مَن أرْشَدَ غَيْرَهُ إلى الوَجْهِ الصَّوابِ يَقُولُ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيَ الأمْرَ مِن بابِهِ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: إنَّهُ ذَهَبَ إلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ بابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقالَ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكُمْ﴾ [هود: ٩٢] فَلَمّا كانَ هَذا طَرِيقًا مَشْهُورًا مُعْتادًا في الكِناياتِ، ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا، وهَذا تَأْوِيلُ المُتَكَلِّمِينَ ولا يَصِحُّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ تَفْسِيرَها بِالوَجْهِ الأوَّلِ يَطْرُقُ إلى الآيَةِ سُوءَ التَّرْتِيبِ وكَلامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْهُ.