Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:189
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَجَوابُهُ ما ذَكَرْتُمْ، إلّا أنَّهُ مَتى كانَ القَمَرُ مُخْتَلِفَ الشَّكْلِ، كانَ مَعْرِفَةُ أوائِلِ الشُّهُورِ وأنْصافِها وأواخِرِها أسْهَلَ مِمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وأخْبَرَ جَلَّ جَلالُهُ أنَّهُ دَبَّرَ الأهِلَّةَ هَذا التَّدْبِيرَ العَجِيبَ لِمَنافِعِ عِبادِهِ في قِوامِ دُنْياهم مَعَ ما يَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَمالِ قُدْرَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقالَ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وأيْضًا لَوْ لَمْ يَقَعْ في جِرْمِ القَمَرِ هَذا الِاخْتِلافُ لَتَأكَّدَتْ شُبَهُ الفَلاسِفَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ لا يُمْكِنُ تَطَرُّقُ التَّغْيِيرِ إلى أحْوالِها، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى بِحِكْمَتِهِ القاهِرَةِ أبْقى الشَّمْسَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، وأظْهَرَ الِاخْتِلافَ في أحْوالِ القَمَرِ لِيَظْهَرَ لِلْعاقِلِ أنَّ بَقاءَ الشَّمْسِ عَلى أحْوالِها لَيْسَ إلّا بِإبْقاءِ اللَّهِ، وتَغَيُّرَ القَمَرِ في أشْكالِهِ لَيْسَ إلّا بِتَغْيِيرِ اللَّهِ فَيَصِيرُ الكُلُّ بِهَذا الطَّرِيقِ شاهِدًا عَلى افْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ حَكِيمٍ قادِرٍ قاهِرٍ، كَما قالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أنَّ الِاخْتِلافَ في أحْوالِ القَمَرِ مَعُونَةٌ عَظِيمَةٌ في تَعْيِينِ الأوْقاتِ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي ذَكَرْناها نَبَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَنافِعِ، لِأنَّ تَعْدِيدَ جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ يَقْضِي إلى الإطْنابِ، والِاقْتِصارَ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ فَلَمْ يَبْقَ إلّا الِاقْتِصارُ عَلى كَوْنِهِ مِيقاتًا فَكانَ هَذا الِاقْتِصارُ دَلِيلًا عَلى الفَصاحَةِ العَظِيمَةِ.