Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:187
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ شَرْطَ الِاعْتِكافِ لَيْسَ الجُلُوسُ في المَسْجِدِ وذَلِكَ لِأنَّ المَسْجِدَ مُمَيَّزٌ عَنْ سائِرِ البِقاعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ بُنِيَ لِإقامَةِ الطّاعاتِ فِيهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَعَيَّنَ ذَلِكَ البَيْتَ لِجَمِيعِ العاكِفِينَ، ولَوْ جازَ الِاعْتِكافُ في غَيْرِهِ لَما صَحَّ ذَلِكَ العُمُومُ، وقالَ عَطاءٌ: لا يَجُوزُ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ ومَسْجِدِ المَدِينَةِ، لِما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:“ «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ فِيما سِواهُ مِنَ المَساجِدِ إلّا المَسْجِدَ الحَرامِ، وصَلاةٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ أفْضَلُ مِن مِائَةِ صَلاةٍ في مَسْجِدِي» ”. وقالَ حُذَيْفَةُ: يَجُوزُ في هَذَيْنِ المَسْجِدَيْنِ وفي مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، والمَسْجِدِ الأقْصى، ومَسْجِدِي هَذا» ”. وقالَ الزُّهْرِيُّ: لا يَصِحُّ إلّا في الجامِعِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَصِحُّ إلّا في مَسْجِدٍ لَهُ إمامٌ راتِبٌ ومُؤَذِّنٌ راتِبٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجُوزُ في جَمِيعِ المَساجِدِ، إلّا أنَّ المَسْجِدَ الجامِعَ أفْضَلُ حَتّى لا يُحْتاجَ إلى الخُرُوجِ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ المَساجِدِ.