Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:187
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تُسِرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ في الجِماعِ بَعْدَ العَتَمَةِ والأكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ وتَرْكَبُونَ المُحَرَّمَ مِن ذَلِكَ، وكُلُّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ خانَ نَفْسَهُ وقَدْ خانَ اللَّهَ، لِأنَّهُ جَلَبَ إلَيْها العِقابَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يُقْطَعَ عَلى أنَّهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى وُقُوعِهِ مِن جَمِيعِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ وجَبَ في جَمِيعِهِمْ أنْ يَكُونُوا مُخْتانِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لَكَنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِهِ التَّبْعِيضُ لِلْعادَةِ والإخْبارُ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَيَجِبُ أنَّ يُقْطَعَ عَلى وُقُوعِ هَذا الجِماعِ المَحْظُورِ مِن بَعْضِهِمْ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمٍ سابِقٍ وعَلى وُقُوعِ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ، ولِأبِي مُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ قَدْ بَيَّنّا أنَّ الخِيانَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الوَفاءِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ، فَأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِطاعَةِ اللَّهِ، ونَحْنُ حَمَلْناهُ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما هو خَيْرٌ لِلنَّفْسِ وهَذا أوْلى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ اللَّهَ، كَما قالَ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٢٧] بَلْ قالَ: ﴿كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما ذَكَرْناهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أوْلى فَلا أقَلَّ مِنَ التَّساوِي وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ النَّسْخُ.