Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:186
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى: أنَّها مُتَناقِضَةٌ، لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الدُّعاءِ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فَلا فائِدَةَ في اشْتِغالِكم بِإبْطالِ الدُّعاءِ، وإنْ كانَ مَعْلُومَ العَدَمِ لَمْ يَكُنْ إلى إنْكارِكِمْ حاجَةٌ، ثُمَّ نَقُولُ: كَيْفِيَّةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وكَيْفِيَّةُ قَضائِهِ وقَدَرِهُ غائِبَةٌ عَنِ العُقُولِ، والحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ العَبْدُ مُعَلَّقًا بَيْنَ الرَّجاءِ وبَيْنَ الخَوْفِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَتِمُّ العُبُودِيَّةُ، وبِهَذا الطَّرِيقِ صَحَّحْنا القَوْلَ بِالتَّكالِيفِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالكُلِّ وجَرَيانِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ في الكُلِّ، ولِهَذا الإشْكالِ «سَألَتِ الصَّحابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أرَأيْتَ أعْمالَنا هَذِهِ أشَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ أمْ أمْرٌ يَسْتَأْنِفُهُ ؟ فَقالَ: بَلْ شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ. فَقالُوا: فَفِيمَ العَمَلُ إذَنْ ؟ قالَ: ”اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“» . فانْظُرْ إلى لَطائِفَ هَذا الحَدِيثِ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَّقَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَرَهَّبَهم سابِقَ القَدَرِ المَفْرُوغِ مِنهُ ثُمَّ ألْزَمَهُمُ العَمَلَ الَّذِي هو مُدْرَجَةُ التَّعَبُّدِ، فَلَمْ يُعَطِّلْ ظاهِرَ العَمَلِ بِما يُفِيدُ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يَتْرُكْ أحَدَ الأمْرَيْنِ لِلْآخَرِ، وأخْبَرَ أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ هو المُقَدَّرُ المَفْرُوغُ مِنهُ فَقالَ: ”«كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» “، يُرِيدُ أنَّهُ مُيَسَّرٌ في أيّامِ حَياتِهِ لِلْعَمَلِ الَّذِي سَبَقَ لَهُ القَدَرُ قَبْلَ وُجُودِهِ، إلّا أنَّكَ تُحِبُّ أنْ تَعْلَمَ هَهُنا فَرْقَ ما بَيْنَ المُيَسَّرِ والمُسَخَّرِ فَتَأهَّبْ لِمَعْرِفَتِهِ فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ، وكَذا القَوْلُ في بابِ الكَسْبِ والرِّزْقِ فَإنَّهُ مَفْرُوغٌ مِنهُ في الأصْلِ لا يَزِيدُهُ الطَّلَبُ ولا يَنْقُصُهُ التَّرْكُ.