Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:186
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: هَذِهِ الأسْئِلَةُ جاءَتْ أجْوِبَتُها عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ، فالأغْلَبُ فِيها أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى السُّؤالَ قالَ لِمُحَمَّدٍ: قُلْ؛ وفي صُورَةٍ واحِدَةٍ جاءَ الجَوابُ بِقَوْلِهِ: فَقُلْ مَعَ فاءِ التَّعْقِيبَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥]، سُؤالٌ عَنْ قِدَمِها وحُدُوثِها، وهَذِهِ مَسْألَةٌ أُصُولِيَّةٌ فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] كَأنَّهُ قالَ يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْ هَذا السُّؤالِ في الحالِ ولا تُؤَخِّرِ الجَوابَ، فَإنَّ الشَّكَّ فِيهِ كُفْرٌ ثُمَّ تَقْدِيرُ الجَوابِ أنَّ النَّسْفَ مُمْكِنٌ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الجَبَلِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا في الكُلِّ وجَوازُ عَدَمِهِ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ قِدَمِهِ، أمّا سائِرُ المَسائِلِ فَهي فُرُوعِيَّةٌ فَلا جَرَمَ لَمْ يَذْكُرْ فِيها فاءَ التَّعْقِيبِ، أمّا الصُّورَةُ الثّالِثَةُ وهي في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَقُلْ إنِّي قَرِيبٌ فَتَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ حالِ الدُّعاءِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ عَبْدِي أنْتَ إنَّما تَحْتاجُ إلى الواسِطَةِ في غَيْرِ وقْتِ الدُّعاءِ، أمّا في مَقامِ الدُّعاءِ فَلا واسِطَةَ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لَهُ، وقَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّبَّ لِلْعَبْدِ.