Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:186
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] فَأيُّ حاجَةٍ بِالدّاعِي إلى الدُّعاءِ ؟ ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ بِسَبَبِ هَذا الكَلامِ إلى أعْلى
صفحة ٨٤
دَرَجاتِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ ولَوْلا أنَّ تَرْكَ الدُّعاءِ أفْضَلُ لَما كانَ كَذَلِكَ.
ورابِعُها: أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إنْ كانَ مِن مَصالِحِ العَبْدِ فالجَوادُ المُطْلَقُ لا يُهْمِلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن مَصالِحِهِ لَمْ يَجُزْ طَلَبُهُ.
وخامِسُها: ثَبَتَ بِشَواهِدِ العَقْلِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ أجَلَّ مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ وأعْلاها الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، والدُّعاءُ يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِالِالتِماسِ وتَرْجِيحٌ لِمُرادِ النَّفْسِ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى وطَلَبُهُ لِحِصَّةِ البَشَرِ.
وسادِسُها: أنَّ الدُّعاءَ يُشْبِهُ الأمْرَ والنَّهْيَ وذَلِكَ مِنَ العَبْدِ في حَقِّ المَوْلى الكَرِيمِ الرَّحِيمِ سُوءُ أدَبٍ.
وسابِعُها: رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ رِوايَةً عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ”«مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ» “، قالُوا فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الأوْلى تَرَكُ الدُّعاءِ.
وقالَ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ العُقَلاءِ: إنَّ الدُّعاءَ أهَمُّ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ النَّقْلِ والعَقْلِ، أمّا الدَّلائِلُ النَّقْلِيَّةُ فَكَثِيرَةٌ: