Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:185
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّ هَذا الشَّهْرَ بِهَذِهِ العِبادَةِ بَيَّنَ العِلَّةَ لِهَذا التَّخْصِيصِ، وذَلِكَ هو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَصَّهُ بِأعْظَمِ آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وهو أنَّهُ أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ، فَلا يَبْعُدُ أيْضًا تَخْصِيصُهُ بِنَوْعٍ عَظِيمٍ مِن آياتِ العُبُودِيَّةِ وهو الصَّوْمُ، مِمّا يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّ الأنْوارَ الصَّمَدِيَّةَ مُتَجَلِّيَةٌ أبَدًا يَمْتَنِعُ عَلَيْها الإخْفاءُ والِاحْتِجابُ إلّا أنَّ العَلائِقَ البَشَرِيَّةَ مانِعَةٌ مِن ظُهُورِها في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، والصَّوْمُ أقْوى الأسْبابِ في إزالَةِ العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ أرْبابَ المُكاشَفاتِ لا سَبِيلَ لَهم إلى التَّوَصُّلِ إلَيْها إلّا بِالصَّوْمِ، ولِهَذا قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«لَوْلا أنَّ الشَّياطِينَ يَحُومُونَ عَلى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إلى مَلَكُوتِ السَّماواتِ» “، فَثَبَتَ أنَّ بَيْنَ الصَّوْمِ وبَيْنَ نُزُولِ القُرْآنِ مُناسِبَةٌ عَظِيمَةٌ فَلَمّا كانَ هَذا الشَّهْرُ مُخْتَصًّا بِنُزُولِ القُرْآنِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِالصَّوْمِ، وفي هَذا المَوْضِعِ أسْرارٌ كَثِيرَةٌ والقَدْرُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ كافٍ هَهُنا، ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ في تَفْسِيرِهِ قَوْلانِ: