Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:184
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ: إنَّهُ لا يُقالُ في العُرْفِ لِلْقادِرِ القَوِيِّ إنَّهُ يُطِيقُ هَذا الفِعْلَ؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في حَقِّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ عَلى أقْوالِكم لا بُدَّ مِن إيقاعِ النَّسْخِ في هَذِهِ الآيَةِ وعَلى قَوْلِنا لا يَجِبُ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّسْخَ كُلَّما كانَ أقَلَّ كانَ أوْلى، فَكانَ المَصِيرُ إلى إثْباتِ النَّسْخِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرَ جائِزٍ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ ناسِخَها آيَةُ شُهُودِ الشَّهْرِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ تِلْكَ الآيَةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولَوْ كانَتِ الآيَةُ ناسِخَةً لِهَذا لَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ لائِقًا بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ أوْجَبَ الصَّوْمَ عَلى سَبِيلِ التَّضْيِيقِ، ورَفَعَ وجُوبَهُ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، فَكانَ ذَلِكَ رَفْعًا لِلْيُسْرِ وإثْباتًا لِلْعُسْرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَقُولَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ .