Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:183
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ الصَّوْمَ يُورِثُ التَّقْوى لِما فِيهِ مِنَ انْكِسارِ الشَّهْوَةِ وانْقِماعِ الهَوى، فَإنَّهُ يَرْدَعُ عَنِ الأشَرِ والبَطَرِ والفَواحِشِ، ويُهَوِّنُ لَذّاتِ الدُّنْيا ورِياسَتَها، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ شَهْوَةَ البَطْنِ والفَرْجِ، وإنَّما يَسْعى النّاسُ لِهَذَيْنِ، كَما قِيلَ في المَثَلِ السّائِرِ: المَرْءُ يَسْعى لِغارَيْهِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ؛ فَمَن أكْثَرَ الصَّوْمَ هانَ عَلَيْهِ أمْرُ هَذَيْنِ وخَفَّتْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُما، فَكانَ ذَلِكَ رادِعًا لَهُ عَنِ ارْتِكابِ المَحارِمِ والفَواحِشِ، ومُهَوِّنًا عَلَيْهِ أمْرَ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ جامِعٌ لِأسْبابِ التَّقْوى فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ فَرَضْتُ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ لِتَكُونُوا بِهِ مِنَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ أثْنَيْتُ عَلَيْهِمْ في كِتابِي، وأعْلَمْتُ أنَّ هَذا الكِتابَ هَدًى لَهم ولَمّا اخْتُصَّ الصَّوْمُ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يَقُولَ عِنْدَ إيجابِها: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ مِنها بِذَلِكَ عَلى وجْهِ
صفحة ٦١
وُجُوبِهِ؛ لِأنَّ ما يَمْنَعُ النَّفْسَ عَنِ المَعاصِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ واجِبًا.
وثانِيها: المَعْنى يَنْبَغِي لَكم بِالصَّوْمِ أنْ يَقْوى وِجاؤُكم في التَّقْوى وهَذا مَعْنى ”لَعَلَّ“ .