Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:182
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ الصُّلْحِ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ إذا خافَ مَن يُرِيدُ الصُّلْحَ إفْضاءَ تِلْكَ المُنازَعَةِ إلى أمْرٍ مَحْذُورٍ في الشَّرْعِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَفِيهِ أيْضًا سُؤالٌ: وهو أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَلِيقُ بِمَن فَعَلَ فِعْلًا لا يَجُوزُ، أمّا هَذا الإصْلاحُ فَهو مِن جُمْلَةِ الطّاعاتِ فَكَيْفَ بِهِ هَذا الكَلامُ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا مِن بابِ
صفحة ٥٩
تَنْبِيهِ الأدْنى عَلى الأعْلى كَأنَّهُ قالَ: أنا الَّذِي أغْفِرُ الذُّنُوبَ ثُمَّ أرْحَمُ المُذْنِبَ، فَبِأنْ أُوصِلَ رَحْمَتِي وثَوابِي إلَيْكَ مَعَ أنَّكَ تَحَمَّلْتَ المِحَنَ الكَثِيرَةَ في إصْلاحِ هَذا المُهِمِّ كانَ أوْلى.
وثانِيها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ المُوصِيَ الَّذِي أقْدَمَ عَلى الجَنَفِ والإثْمِ مَتى أُصْلِحَتْ وصِيَّتُهُ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ بِفَضْلِهِ.
وثالِثُها: أنَّ المُصْلِحَ رُبَّما احْتاجَ في إيتاءِ الإصْلاحِ إلى أقْوالٍ وأفْعالٍ كانَ الأوْلى تَرْكَها، فَإذا عَلِمَ تَعالى مِنهُ أنَّ غَرَضَهُ لَيْسَ إلّا الإصْلاحَ فَإنَّهُ لا يُؤاخِذُهُ بِها؛ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.