Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:181
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ عائِدٌ إلى الوَصِيَّةِ، مَعَ أنَّ الكِنايَةَ المَذْكُورَةَ مُذَكَّرَةٌ والوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةٌ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الوَصِيَّةَ بِمَعْنى الإيصاءِ ودالَّةٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أيْ وعْظٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ ما قالَهُ المَيِّتُ، أوْ ما أوْصى بِهِ أوْ سَمِعَهُ عَنْهُ.
وثانِيها: قِيلَ الهاءُ راجِعَةٌ إلى الحُكْمِ والفَرْضِ والتَّقْدِيرُ: فَمَن بَدَّلَ الأمْرَ المُقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وثالِثُها: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما أوْصى بِهِ المَيِّتَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ، وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً.
ورابِعُها: أنَّ الكِنايَةَ تَعُودُ إلى مَعْنى الوَصِيَّةِ وهو قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ.
وخامِسُها: أنَّ تَأْنِيثَ الوَصِيَّةِ لَيْسَ بِالحَقِيقِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يُكَنّى عَنْها بِكِنايَةِ المُذَكَّرِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الإثْمَ إنَّما يَثْبُتُ أوْ يَعْظُمُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلسَّماعِ لَوْ لَمْ يَقَعِ العِلْمُ بِهِ، فَصارَ إثْباتُ سَماعِهِ كَإثْباتِ عِلْمِهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ فاعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّما) لِلْحَصْرِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (إثْمُهُ) عائِدٌ إلى التَّبْدِيلِ، والمَعْنى: أنَّ إثْمَ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ لا يَعُودُ إلّا إلى المُبَدِّلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أنَّ المُبَدِّلَ مَن هو.