Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:180
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَزِيادَةٌ في تَوْكِيدِ وُجُوبِهِ، فَقَوْلُهُ: (حَقًّا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا التَّكْلِيفِ بِالمُتَّقِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ أنَّهُ لازِمٌ لِمَن آثَرَ التَّقْوى، وتَحَرّاهُ وجَعَلَهُ طَرِيقَةً لَهُ ومَذْهَبًا فَيَدْخُلُ الكُلُّ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ هَذا المَعْنى عَلى المُتَّقِينَ، والإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّ الواجِباتِ والتَّكالِيفَ عامَّةٌ في حَقِّ المُتَّقِينَ، وغَيْرِهِمْ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَدْخُلُ الكُلُّ تَحْتَ هَذا التَّكْلِيفِ؛ فَهَذا جُمْلَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ الوَصِيَّةِ، مِنهم مَن قالَ: كانَتْ واجِبَةً، ومِنهم مَن قالَ: كانَتْ نَدْبًا، واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بِقَوْلِهِ: (كُتِبَ) وبِقَوْلِهِ: (عَلَيْكم) وكِلا اللَّفْظَيْنِ يُنْبِئُ عَنِ الوُجُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ الإيجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾ وهَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا؛ مِنهم مَن قالَ: هَذِهِ الآيَةُ صارَتْ مَنسُوخَةً، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها ما صارَتْ مَنسُوخَةً، وهَذا اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ مِن وُجُوهٍ: