Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:178
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ العافِيَ هو ولِيُّ الدَّمِ وقَوْلُهُ العَفْوُ إسْقاطُ الحَقِّ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِوَلِيِّ الدَّمِ.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّ العَفْوَ هو إسْقاطُ الحَقِّ، بَلِ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ فَمَن سَهُلَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ، يُقالُ: أتانِي هَذا المالُ عَفْوًا صَفْوًا، أيْ سَهْلًا، ويُقالُ: خُذْ ما عَفا، أيْ ما سَهُلَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَمَن كانَ مِن أوْلِياءِ الدَّمِ وسَهُلَ لَهُ مِن أخِيهِ الَّذِي هو القاتِلُ شَيْءٌ مِنَ المالِ فَلْيَتْبَعْ ولِيُّ الدَّمِ ذَلِكَ القاتِلَ في مُطالَبَةِ ذَلِكَ المالِ ولْيُؤَدِّ القاتِلُ إلى ولِيِّ الدَّمِ ذَلِكَ المالَ بِالإحْسانِ مِن غَيْرِ مَطْلٍ ولا مُدافَعَةٍ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَثَّ الأوْلِياءَ إذا دَعَوْا إلى الصُّلْحِ مِنَ الدَّمِ عَلى الدِّيَةِ كُلِّها أوْ بَعْضِها أنْ يَرْضَوْا بِهِ ويَعْفُوا عَنِ القَوَدِ.
سَلَّمْنا أنَّ العافِيَ هو ولِيُّ الدَّمِ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ هو أنْ يَكُونَ القِصاصُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَيَعْفُو أحَدُهُما، فَحِينَئِذٍ يَنْقَلِبُ نَصِيبُ الآخَرِ مالًا، فاللَّهُ تَعالى أمَرَ الشَّرِيكَ السّاكِتَ بِاتِّباعِ القاتِلِ بِالمَعْرُوفِ، وأمَرَ القاتِلَ بِالأداءِ إلَيْهِ بِإحْسانٍ.