Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:178
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا القاتِلَ إذا لَمْ يَتُبْ وأصَرَّ عَلى تَرْكِ التَّوْبَةِ؛ فَإنَّ القِصاصَ مَشْرُوعٌ في حَقِّهِ عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا إذا كانَ تائِبًا فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، وذَلِكَ لِأنَّ الدَّلائِلَ دَلَّتْ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] وإذا صارَتِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً امْتَنَعَ أنْ يَبْقى التّائِبُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقابِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«التَّوْبَةُ تَمْحُو الحَوْبَةَ» “ فَثَبَتَ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ في حَقِّ التّائِبِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عُقُوبَةً، ثُمَّ عِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا فَقالَ أصْحابُنا: يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّما شُرِعَ لِيَكُونَ لُطْفًا بِهِ، ثُمَّ سَألُوا أنْفُسَهم فَقالُوا: إنَّهُ لا تَكَلُّفَ بَعْدَ القَتْلِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا القَتْلُ لُطْفًا بِهِ ؟ وأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ هَذا القَتْلَ فِيهِ مَنفَعَةٌ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ مِن حَيْثُ التَّشَفِّي ومَنفَعَةٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ مِن حَيْثُ يَزْجُرُ سائِرَ النّاسِ عَنِ القَتْلِ، ومَنفَعَةٌ لِلْقاتِلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَتّى عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقْتَلَ صارَ ذَلِكَ داعِيًا لَهُ إلى الخَيْرِ وتَرْكِ الإصْرارِ والتَّمَرُّدِ.
* * *