Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:177
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى الأُمُورِ الَّتِي يَلْتَزِمُها المُكَلَّفُ ابْتِداءً مِن عِنْدِ نَفْسِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا العَهْدَ إمّا أنْ يَكُونَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النّاسِ، أمّا الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ فَهو ما يَلْزَمُهُ بِالنُّذُورِ والأيْمانِ، وأمّا الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَهو الَّذِي عاهَدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ عِنْدَ البَيْعَةِ مِنَ القِيامِ بِالنُّصْرَةِ والمُظاهَرَةِ والمُجاهَدَةِ ومُوالاةِ مَن والاهُ ومُعاداةِ مَن عاداهُ، وأمّا الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ النّاسِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الواجِباتِ مِثْلُ ما يَلْزَمُهُ في عُقُودِ المُعاوَضاتِ مِنَ التَّسْلِيمِ والتَّسَلُّمِ، وكَذا الشَّرائِطُ الَّتِي يَلْتَزِمُها في السَّلَمِ والرَّهْنِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ المَندُوباتِ مِثْلُ الوَفاءِ بِالمَواعِيدِ في بَذْلِ المالِ والإخْلاصِ في المُناصَرَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ فَلا مَعْنى لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الأقْسامِ دُونَ البَعْضِ، وهَذا الَّذِي قُلْناهُ هو الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ المُفَسِّرُونَ فَقالُوا: هُمُ الَّذِينَ إذا واعَدُوا أنْجَزُوا وإذا حَلَفُوا ونَذَرُوا وفَّوْا، وإذا قالُوا صَدَقُوا، وإذا اؤْتُمِنُوا أدَّوْا، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيَةَ.
* * *