Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:177
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أخَذَهُ اللَّهُ مِنَ العُهُودِ عَلى عِبادِهِ بِقَوْلِهِمْ، وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ بِالقِيامِ بِحُدُودِهِ، والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، فَقَبِلَ العِبادُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ آمَنُوا بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم نَقَضُوا العُهُودَ والمَواثِيقَ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِها فَقالَ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فَكانَ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ البِرَّ هو ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ مَعَ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، لا كَما نَقَضَ أهْلُ الكِتابِ مِيثاقَ اللَّهِ وما وفَّوْا بِعُهُودِهِ فَجَحَدُوا أنْبِياءَهُ وقَتَلُوهم وكَذَّبُوا بِكِتابِهِ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ صَرِيحٌ في إضافَةِ هَذا العَهْدِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا عاهَدُوا﴾ فَلا وجْهَ لِحَمْلِهِ عَلى ما سَيَكُونُ لُزُومُهُ ابْتِداءً مِن قِبَلِهِ تَعالى.
الجَوابُ عَنْهُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ ألْزَمَهم هَذِهِ الأشْياءَ لَكِنَّهم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ قَبِلُوا ذَلِكَ الإلْزامَ والتَزَمُوهُ، فَصَحَّ مِن هَذا الوَجْهِ إضافَةُ العَهْدِ إلَيْهِمْ.