Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:177
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الأوْلى فالأوْلى؛ لِأنَّ الفَقِيرَ إذا كانَ قَرِيبًا فَهو أوْلى بِالصَّدَقَةِ مِن غَيْرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ جامِعًا بَيْنَ الصِّلَةِ والصَّدَقَةِ، ولِأنَّ القَرابَةَ مِن أوْكَدِ الوُجُوهِ في صَرْفِ المالِ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَسْتَحِقُّ بِهِ الإرْثَ ويَحْجُرُ بِسَبَبِهِ عَلى المالِكِ في الوَصِيَّةِ، حَتّى لا يَتَمَكَّنَ مِنَ الوَصِيَّةِ إلّا في الثُّلْثِ، ولِذَلِكَ كانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْأقارِبِ مِنَ الواجِباتِ عَلى ما قالَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآيَةَ، وإنْ كانَتْ تِلْكَ الوَصِيَّةُ قَدْ صارَتْ مَنسُوخَةً إلّا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، فَلِهَذِهِ الوُجُوهِ قَدَّمَ ذا القُرْبى، ثُمَّ أتْبَعَهُ تَعالى بِاليَتامى؛ لِأنَّ الصَّغِيرَ الفَقِيرَ الَّذِي لا والِدَ لَهُ ولا كاسِبَ فَهو مُنْقَطِعُ الحِيلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ أتْبَعَهم تَعالى بِذِكْرِ المَساكِينِ؛ لِأنَّ الحاجَةَ قَدْ تَشْتَدُّ بِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَ السَّبِيلِ إذْ قَدْ تَشْتَدُّ حاجَتُهُ عِنْدَ اشْتِدادِ رَغْبَتِهِ إلى أهْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ السّائِلِينَ وفي الرِّقابِ؛ لِأنَّ حاجَتَهُما دُونَ حاجَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وثانِيها: أنَّ مَعْرِفَةَ المَرْءِ بِشِدَّةِ حاجَةِ هَذِهِ الفِرَقِ تَقْوى وتَضْعُفُ، فَرَتَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الفِرَقِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ بِشِدَّةِ حاجَةِ مَن يَقْرُبُ إلَيْهِ أقْرَبُ، ثُمَّ بِحاجَةِ الأيْتامِ، ثُمَّ بِحاجَةِ المَساكِينِ، ثُمَّ عَلى هَذا النَّسَقِ.