Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:177
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأمْرُ الثّانِي مِنَ الأُمُورِ المُعْتَبَرَةِ في تَحَقُّقِ مُسَمّى البِرِّ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ إلى ماذا يَرْجِعُ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ راجِعٌ إلى المالِ، والتَّقْدِيرُ: وآتى المالَ عَلى حُبِّ المالِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ: وهو أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمَلُ الغِنى، وتَخْشى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا ولِفُلانٍ كَذا، وهَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ حالَ الصِّحَّةِ أفْضَلُ مِنها عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، والعَقْلُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ عِنْدَ الصِّحَّةِ يَحْصُلُ ظَنُّ الحاجَةِ إلى المالِ وعِنْدَ ظَنِّ قُرْبِ المَوْتِ يَحْصُلُ ظَنُّ الِاسْتِغْناءِ عَنِ المالِ، وبَذْلُ الشَّيْءِ عِنْدَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ أدَلُّ عَلى الطّاعَةِ مِن بَذْلِهِ عِنْدَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ عَلى ما قالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
وثانِيها: أنَّ إعْطاءَهُ حالَ الصِّحَّةِ أدَلُّ عَلى كَوْنِهِ مُتَيَقِّنًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ مِن إعْطائِهِ حالَ المَرَضِ والمَوْتِ.
وثالِثُها: أنَّ إعْطاءَهُ حالَ الصِّحَّةِ أشَقُّ، فَيَكُونُ أكْثَرَ ثَوابًا قِياسًا عَلى ما يَبْذُلُهُ الفَقِيرُ مِن جُهْدِ المُقِلِّ فَإنَّهُ يَزِيدُ ثَوابُهُ عَلى ما يَبْذُلُهُ الغَنِيُّ.