Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:175
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ الفَرّاءِ: أنَّ كَلِمَةَ (ما) لِلِاسْتِفْهامِ وأفْعَلَ اسْمٌ، وهو لِلتَّفْضِيلِ، كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ أحْسَنُ مِن عَمْرٍو، ومَعْناهُ أيُّ شَيْءٍ أحْسَنُ مِن زَيْدٍ فَهو اسْتِفْهامٌ تَحْتَهُ إنْكارٌ أنَّهُ وُجِدَ شَيْءٌ أحْسَنُ مِنهُ، كَما يَقُولُ مَن أخْبَرَ عَنْ عِلْمِ إنْسانٍ فَأنْكَرَهُ غَيْرُهُ فَيَقُولُ هَذا المُخْبِرُ: ومَن أعْلَمُ مِن فُلانٍ ؟ إظْهارًا مِنهُ ما يَدَّعِيهِ مُنازِعُهُ عَلى خِلافِ الحَقِّ، وأنْ لا يُمْكِنُهُ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ويَظْهَرُ عَجْزُهُ في ذَلِكَ عِنْدَ مُطالَبَتِي إيّاهُ بِالدَّلِيلِ، ثُمَّ قَوْلُكَ: أحْسَنُ وإنْ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِكَ: ما أحْسَنُ زَيْدٍ إذا اسْتَفْهَمْتَ عَنْ أحْسَنِ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ، إلّا أنَّهُ نُصِبَ لِيَقَعَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ وبَيْنَ هَذا، فَإنَّ هُناكَ مَعْنى قَوْلِكَ: ما أحْسَنُ زَيْدٍ، أيُّ عُضْوٍ مِن زَيْدٍ أحْسَنُ، وفي هَذا مَعْناهُ أيُّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ في العالَمِ أحْسَنُ مِن زَيْدٍ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ كَما تَرى، واخْتِلافُ الحَرَكاتِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي، والنَّصْبُ قَوْلُنا زَيْدًا أيْضًا لِلْفَرْقِ؛ لِأنَّهُ هُناكَ خَفْضٌ؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ أحْسَنُ إلَيْهِ، ونُصِبَ هُنا لِلْفَرْقِ، وأيْضًا فَفي كُلِّ تَفْضِيلٍ مَعْنى الفِعْلِ، وفي كُلِّ ما فُضِّلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مَعْنى المَفْعُولِ، فَإنَّ مَعْنى قَوْلِكَ: زَيْدٌ أعْلَمُ مِن عَمْرٍو، أنَّ زَيْدًا جاوَزَ عَمْرًا في العِلْمِ، فَجُعِلَ هَذا المَعْنى مُعْتَبَرًا عِنْدَ الحاجَةِ إلى الفَرْقِ.