Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:175
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ (ما) في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِ مَعْناهُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم وأيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهَمْ عَلى النّارِ حَتّى تَرَكُوا الحَقَّ واتَّبَعُوا الباطِلَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ أصْبَرَ بِمَعْنى صَبَّرَ وكَثِيرًا ما يَكُونُ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَّلَ نَحْوُ أكْرَمَ وكَرَّمَ، وأخْبَرَ وخَبَّرَ.
الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى التَّعَجُّبِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الرّاضِيَ بِمُوجِبِ الشَّيْءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راضِيًا بِمَعْلُولِهِ ولازِمِهِ إذا عَلِمَ ذَلِكَ اللُّزُومَ، فَلَمّا أقْدَمُوا عَلى ما يُوجِبُ النّارَ ويَقْتَضِي عَذابَ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صارُوا كالرّاضِينَ بِعَذابِ اللَّهِ تَعالى، والصّابِرِينَ عَلَيْهِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ وهو كَما تَقُولُ لِمَن يَتَعَرَّضُ لِما يُوجِبُ غَضَبَ السُّلْطانِ: ما أصْبَرَكَ عَلى القَيْدِ والسِّجْنِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ عَلى حالِهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهم في حالِ التَّكْلِيفِ، وفي حالِ اشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى.
وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَهم يَسْكُتُونَ
صفحة ٢٦
ويَصْبِرُونَ عَلى النّارِ لِلْيَأْسِ مِنَ الخَلاصِ. وهَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: