Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:173
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ يُفِيدُ نَفْيَ ماهِيَّةِ البَغْيِ ونَفْيَ ماهِيَّةِ العُدْوانِ، وهَذِهِ الماهِيَّةُ إنَّما تَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفاءِ جَمِيعِ أفْرادِها، والعُدْوانُ في الأكْلِ أحَدُ أفْرادِ هَذِهِ الماهِيَّةِ، وكَذا العُدْوانُ في السَّفَرِ فَرْدٌ آخَرُ مِن أفْرادِها، فَإذَنْ نَفْيُ العُدْوانِ يَقْتَضِي نَفْيَ العُدْوانِ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الجِهاتِ، فَكانَ تَخْصِيصُهُ بِالأكْلِ غَيْرَ جائِزٍ.
وأمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يُخَصِّصُهُ بِنَفْيِ العُدْوانِ في السَّفَرِ بَلْ يَحْمِلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو نَفْيُ العُدْوانِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ويَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العُدْوانِ في السَّفَرِ، وحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ مَقْصُودُهُ.
ورابِعُها: أنَّ الِاحْتِمالَ الَّذِي ذَكَرْناهُ مُتَأيِّدٌ بِآيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] وهو الَّذِي قُلْناهُ مِن أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالبَغْيِ والعُدْوانِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] وهَذا الشَّخْصُ مُضْطَرٌّ فَوَجَبَ أنْ يَتَرَخَّصَ.