Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:173
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّمَ جَمِيعَ الدِّماءِ سَواءٌ كانَ مَسْفُوحًا أوْ غَيْرَ مَسْفُوحٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: دَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ. أمّا الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ تَمَسَّكَ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ وهَذا دَمٌ فَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ، وأبُو حَنِيفَةَ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَصَرَّحَ بِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنَ المُحَرَّماتِ إلّا هَذِهِ الأُمُورَ، فالدَّمُ الَّذِي لا يَكُونُ مَسْفُوحًا وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مُحَرَّمًا بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ. فَإذَنْ هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، أجابَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَحْلِيلِ غَيْرِ هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ عَلى أنَّهُ تَعالى ما بَيَّنَ لَهُ إلّا تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذا لا يُنافِي أنْ يُبَيِّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيمَ ما عَداها، فَلَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكانَ ذَلِكَ بَيانًا لِتَحْرِيمِ الدَّمِ سَواءٌ كانَ مَسْفُوحًا أوْ غَيْرَ مَسْفُوحٍ، إذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ الحُكْمُ بِحُرْمَةِ جَمِيعِ الدِّماءِ ونَجاسَتِها فَتَجِبُ إزالَةُ الدَّمِ عَنِ اللَّحْمِ ما أمْكَنَ، وكَذا في السَّمَكِ، وأيُّ دَمٍ وقَعَ في الماءِ والثَّوْبِ فَإنَّهُ يُنَجِّسُ ذَلِكَ المَوْرُودَ.