Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:172
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ فَإنَّ الطَّيِّبَ هو الحَلالُ، فَلَوْ كانَ كُلُّ رِزْقٍ حَلالًا لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ مَعْناهُ مِن مُحَلَّلاتِ ما أحْلَلْنا لَكم، فَيَكُونُ تَكْرارًا وهو خِلافُ الأصْلِ، أجابُوا عَنْهُ بِأنَّ الطَّيِّبَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَلَذِّ المُسْتَطابِ، ولَعَلَّ أقْوامًا ظَنُّوا أنَّ التَّوَسُّعَ في المَطاعِمِ والِاسْتِكْثارَ مِن طَيِّباتِها مَمْنُوعٌ مِنهُ. فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كُلُوا مِن لَذائِذِ ما أحْلَلْناهُ لَكم، فَكانَ تَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِهَذا المَعْنى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ أمْرٌ: ولَيْسَ بِإباحَةٍ، فَإنْ قِيلَ: الشُّكْرُ إمّا أنْ يَكُونَ بِالقَلْبِ أوْ بِاللِّسانِ أوْ بِالجَوارِحِ، أمّا بِالقَلْبِ فَهو إمّا العِلْمُ بِصُدُورِ النِّعْمَةِ عَنْ ذَلِكَ المُنْعِمِ، أوِ العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ وبِالجَوارِحِ، أمّا ذَلِكَ العِلْمُ فَهو مِن لَوازِمِ كَمالِ العَقْلِ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَنْسى ذَلِكَ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ ضَرُورِيًّا فَكَيْفَ يُمْكِنُ إيجابُهُ ؟
وأمّا العَزْمُ عَلى تَعْظِيمِهِ بِاللِّسانِ والجَوارِحِ فَذَلِكَ العَزْمُ القَلْبِيُّ مَعَ الإقْرارِ بِاللِّسانِ والعَمَلِ بِالجَوارِحِ، فَإذا بَيَّنّا أنَّهُما لا يُجِيبانِ كانَ العَزْمُ بِأنْ لا يَجِبَ أوْلى.