Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:165
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَمَلُوا مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعالى عَلى مَحَبَّةِ طاعَتِهِ، أوْ عَلى مَحَبَّةِ ثَوابِهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، ولَمْ يَعْرِفُوا أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، أمّا العارِفُونَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ تَعالى مَحْبُوبٌ في ذاتِهِ ولِذاتِهِ، فَهُمُ الَّذِينَ انْكَشَفَ لَهم أنَّ الكَمالَ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أكْمَلَ الكامِلِينَ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لِوُجُوبِ وُجُودِهِ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، وكَمالُ كُلِّ شَيْءٍ فَهو مُسْتَفادٌ مِنهُ، وإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أكْمَلُ الكامِلِينَ في العِلْمِ والقُدْرَةِ، فَإذا كُنّا نُحِبُّ الرَّجُلَ العالِمَ لِكَمالِهِ في عِلْمِهِ، والرَّجُلَ الشُّجاعَ لِكَمالِهِ في شَجاعَتِهِ، والرَّجُلَ الزّاهِدَ لِبَراءَتِهِ عَمّا لا يَنْبَغِي مِنَ الأفْعالِ، فَكَيْفَ لا نُحِبُّ اللَّهَ وجَمِيعُ العُلُومِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ كالعَدَمِ، وجَمِيعُ القُدَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ كالعَدَمِ، وجَمِيعُ ما لِلْخَلْقِ مِنَ البَراءَةِ عَنِ النَّقائِصِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ كالعَدَمِ، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ المَحْبُوبَ الحَقَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ مَحْبُوبٌ في ذاتِهِ ولِذاتِهِ، سَواءٌ أحَبَّهُ غَيْرُهُ أوْ ما أحَبَّهُ غَيْرُهُ، واعْلَمْ أنَّكَ لَمّا وقَفْتَ عَلى النُّكْتَةِ في هَذا البابِ، فَنَقُولُ: العَبْدُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءً، بَلْ ما لَمْ يَنْظُرْ في مَمْلُوكاتِهِ لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى ذَلِكَ المَقامِ، فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن كانَ اطِّلاعُهُ عَلى دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ في المَخْلُوقاتِ أتَمَّ، كانَ عِلْمُهُ بِكَمالِهِ أتَمَّ، فَكانَ لَهُ حُبُّهُ أتَمَّ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ وُقُوفِ العَبْدِ عَلى دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ لا نِهايَةَ لِمَراتِبِ مَحَبَّةِ العِبادِ لِجَلالِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى.