Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:165
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بِأنْ قالُوا: إنّا وجَدْنا أنَّ اللَّذَّةَ مَحْبُوبَةٌ لِذاتِها، والكَمالَ أيْضًا مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ، أمّا اللَّذَّةُ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَنا: لِمَ تَكْتَسِبُونَ ؟ قُلْنا: لِنَجِدَ المالَ، فَإنْ قِيلَ: ولِمَ تَطْلُبُونَ المالَ ؟ قُلْنا: لِنَجِدَ بِهِ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، فَإنْ قالُوا: لِمَ تَطْلُبُونَ المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ ؟ قُلْنا: لِتَحْصُلَ اللَّذَّةُ ويَنْدَفِعَ الألَمُ، فَإنْ قِيلَ لَنا: ولِمَ تَطْلُبُونَ اللَّذَّةَ وتَكْرَهُونَ الألَمَ ؟ قُلْنا: هَذا غَيْرُ مُعَلَّلٍ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ إنَّما كانَ مَطْلُوبًا لِأجْلِ شَيْءٍ آخَرَ، لَزِمَ إمّا التَّسَلْسُلُ، وإمّا الدَّوْرُ، وهُما مُحالانِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ما يَكُونُ مَطْلُوبًا لِذاتِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ اللَّذَّةَ مَطْلُوبَةُ الحُصُولِ لِذاتِها، والألَمَ مَطْلُوبُ الدَّفْعِ لِذاتِهِ، لا لِسَبَبٍ آخَرَ، وأمّا الكَمالُ فَلِأنّا نُحِبُّ الأنْبِياءَ والأوْلِياءَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِصِفاتِ الكَمالِ، وإذا سَمِعْنا حِكايَةَ بَعْضِ الشُّجْعانِ مِثْلَ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، واطَّلَعْنا عَلى كَيْفِيَّةِ شَجاعَتِهِمْ مالَتْ قُلُوبُنا إلَيْهِمْ، حَتّى إنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ ذَلِكَ المَيْلُ إلى إنْفاقِ المالِ العَظِيمِ في تَقْرِيرِ تَعْظِيمِهِ، وقَدْ يَنْتَهِي ذَلِكَ إلى المُخاطَرَةِ بِالرُّوحِ، وكَوْنُ اللَّذَّةِ مَحْبُوبَةً لِذاتِها لا يُنافِي كَوْنَ الكَمالِ مَحْبُوبًا لِذاتِهِ.