Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وبَيْنَ المُؤْذِي والمُلِذِّ، وبَيْنَ الأُمِّ وبَيْنَ غَيْرِها، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في أوَّلِ أمْرِهِ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ عَنِ الفَهْمِ، فَإنَّهُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ أكْمَلُ الحَيَواناتِ في الفَهْمِ والعَقْلِ والإدْراكِ، لِيَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عَطِيَّةِ القادِرِ الحَكِيمِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِالطَّبْعِ لَكانَ كُلُّ مَن كانَ أذْكى في أوَّلِ الخِلْقَةِ كانَ أكْثَرَ فَهْمًا وقْتَ الِاسْتِكْمالِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ عَلى الضِّدِّ مِنهُ، عَلِمْنا أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن عَطِيَّةِ اللَّهِ الخالِقِ الحَكِيمِ.
وسادِسُها: اخْتِلافُ الألْسِنَةِ واخْتِلافُ طَبائِعِهِمْ، واخْتِلافُ أمْزِجَتِهِمْ مِن أقْوى الدَّلائِلِ، ونَرى الحَيَواناتِ البَرِّيَّةَ والجَبَلِيَّةَ شَدِيدَةَ المُشابَهَةِ بَعْضَها بِالبَعْضِ، ونَرى النّاسَ مُخْتَلِفِينَ جِدًّا في الصُّورَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاخْتَلَّتِ المَعِيشَةُ، ولاشْتَبَهَ كُلُّ أحَدٍ بِأحَدٍ، فَما كانَ يَتَمَيَّزُ البَعْضُ عَنِ البَعْضِ، وفِيهِ فَسادُ المَعِيشَةِ. واسْتِقْصاءُ الكَلامِ في هَذا النَّوْعِ لا مَطْمَعَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ.