Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ تَعالى ذَلِكَ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الحَياةَ لا تَصِحُّ إلّا عَلى مَن يُدْرِكُ ويَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ، وكَذَلِكَ المَوْتُ، إلّا أنَّ الجِسْمَ إذا صارَ حَيًّا حَصَلَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الحَسَنِ والنَّضْرَةِ والبَهاءِ والنُّشُورِ والنَّماءِ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الحَياةِ عَلى حُصُولِ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذا مِن فَصِيحِ الكَلامِ الَّذِي عَلى اخْتِصارِهِ يَجْمَعُ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ.
واعْلَمْ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: نَفْسُ الزَّرْعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَقْدُورِ أحَدٍ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ.
وثانِيها: اخْتِلافُ ألْوانِها عَلى وجْهٍ لا يَكادُ يُحَدُّ ويُحْصى.
وثالِثُها: اخْتِلافُ طُعُومِ ما يَظْهَرُ عَلى الزَّرْعِ والشَّجَرِ.
ورابِعُها: اسْتِمْرارُ العاداتِ بِظُهُورِ ذَلِكَ في أوْقاتِها المَخْصُوصَةِ.
* * *
النَّوْعُ السّادِسُ مِنَ الآياتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ ونَظِيرُهُ جَمِيعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى خِلْقَةِ الإنْسانِ، وسائِرِ الحَيَواناتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [ النِّساءِ: ١ ) .
واعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ الحَيَواناتِ قَدْ يَكُونُ بِالتَّوْلِيدِ، وقَدْ يَكُونُ بِالتَّوالُدِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا بُدَّ فِيهِما مِنَ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَلْنُبَيِّنْ ذَلِكَ في النّاسِ ثُمَّ في سائِرِ الحَيَواناتِ.
أمّا الإنْسانُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلى افْتِقارِهِ في حُدُوثِهِ إلى الصّانِعِ وُجُوهٌ: