Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ كَما يَخْتَلِفانِ بِالطُّولِ والقِصَرِ في الأزْمِنَةِ، فَهُما يَخْتَلِفانِ بِالأمْكِنَةِ، فَإنَّ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الأرْضُ كُرَةٌ فَكُلُّ ساعَةٍ عَيَّنْتَها فَتِلْكَ السّاعَةُ في مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ صُبْحٌ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ظُهْرٌ، وفي مَوْضِعٍ ثالِثٍ عَصْرٌ، وفي رابِعٍ مَغْرِبٌ، وفي خامِسٍ عِشاءٌ، وهَلُمَّ جَرًّا، هَذا إذا اعْتَبَرْنا البِلادَ المُخالِفَةَ في الأطْوالِ، أمّا البِلادُ المُخْتَلِفَةُ بِالعَرْضِ، فَكُلُّ بَلَدٍ يَكُونُ عَرْضُهُ الشَّمالِيُّ أكْثَرَ كانَتْ أيّامُهُ الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلَ، ولَيالِيهِ الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرَ، وأيّامُهُ الشَّتَوِيَّةُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ في الأيّامِ واللَّيالِي بِحَسَبِ اخْتِلافِ أطْوالِ البُلْدانِ وعَرْضِها أمْرٌ مُخْتَلِفٌ عَجِيبٌ، ولَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في كِتابِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ فَقالَ في بَيانِ كَوْنِهِ مالِكَ المُلْكِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣] وقالَ في القَصَصِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١] وفي الرُّومِ: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٨] وفي لُقْمانَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] وفي المَلائِكَةِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر: ١٣] وفي يس: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] وفي الزُّمَرِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥] وفي حم غافِرٍ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر: ٦١] وفي عم: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠] والآياتُ مِن هَذا الجِنْسِ كَثِيرَةٌ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ: