Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعاشِرُها: أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ العَجِيبَ في تَرْكِيبِ هَذِهِ الأفْلاكِ وائْتِلافِ حَرَكاتِها أتُرى أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى حِكْمَةٍ، أمْ هي واقِعَةٌ بِالجُزافِ والعَبَثِ ؟ أمّا القِسْمُ الثّانِي فَباطِلٌ وبَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ، فَإنْ جَوَّزَ [مُجَوِّزٌ] في بِناءٍ رَفِيعٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ أنَّ التُّرابَ والماءَ انْضَمَّ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنهُما لَبِناتٍ، ثُمَّ تُرَكَّبُها قَصْرًا مَشِيدًا وبِناءً عالِيًا، فَإنَّهُ يُقْضى عَلَيْهِ بِالجُنُونِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ تَرْكِيبَ هَذِهِ الأفْلاكِ وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ، وما لَها مِنَ الحَرَكاتِ لَيْسَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ البِناءِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ فِيها مِن رِعايَةِ حِكْمَةٍ، ثُمَّ لا يَخْلُو إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها أحْياءٌ ناطِقَةٌ فَهي تَتَحَرَّكُ بِأنْفُسِها، أوْ يُقالُ: إنَّهُ يُحَرِّكُها مُدَبِّرٌ قاهِرٌ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ حَرَكَتَها إمّا أنْ تَكُونَ لِطَلَبِ اسْتِكْمالِها أوْ لا لِهَذا الغَرَضِ، فَإنْ كانَتْ طالِبَةً بِحَرَكَتِها لِتَحْصِيلِ كَمالٍ فَهي ناقِصَةٌ في ذَواتِها، طالِبَةٌ لِلِاسْتِكْمالِ أوْ لا لِهَذا الغَرَضِ، والنّاقِصُ بِذاتِهِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَمِّلٍ، فَهي مُفْتَقِرَةٌ مُحْتاجَةٌ، وإنْ لَمْ تَكُنْ طالِبَةً بِحَرَكَتِها لِلِاسْتِكْمالِ، فَهي عابِثَةٌ في أفْعالِها، فَيَعُودُ الأمْرُ إلى أنَّهُ يَبْعُدُ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ مَدارُ هَذِهِ الأجْرامِ المُسْتَعْظَمَةِ، والحَرَكاتِ الدّائِمَةِ، عَلى العَبَثِ والسَّفَهِ، فَلَمْ يَبْقَ في العُقُولِ قِسْمٌ هو الألْيَقُ بِالذَّهابِ إلَيْهِ إلّا أنَّ مُدَبِّرًا قاهِرًا غالِبًا عَلى الدَّهْرِ والزَّمانِ يُحَرِّكُها لِأسْرارٍ مَخْفِيَّةٍ، ولِحِكَمٍ لَطِيفَةٍ هو المُسْتَأْثِرُ بِها، والمُطَّلِعُ عَلَيْها، ولَيْسَ عِنْدَنا إلّا الإيمانُ بِها عَلى الإجْمالِ عَلى ما قالَ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٩١] .