Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثامِنُها: أنّا نَراها الآنَ مُتَحَرِّكَةً، ومُحالٌ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ أزَلًا مُتَحَرِّكَةٌ، أوْ ما كانَتْ مُتَحَرِّكَةً، ثُمَّ ابْتَدَأتْ بِالحَرَكَةِ، ومُحالٌ أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ أزَلًا مُتَحَرِّكَةً؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الحَرَكَةِ تَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ انْتِقالٌ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ والأزَلُ يُنافِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالغَيْرِ، فالجَمْعُ بَيْنَ الحَرَكَةِ والأزَلِيَّةِ مُحالٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّها ما كانَتْ مُتَحَرِّكَةً أزَلًا، سَواءٌ قُلْنا: إنَّها كانَتْ قَبْلَ تِلْكَ الحَرَكَةِ مَوْجُودَةً أوْ كانَتْ ساكِنَةً، أوْ قُلْنا: إنَّها كانَتْ قَبْلَ تِلْكَ الحَرَكَةِ مَعْدُومَةً أصْلًا، فالِابْتِداءُ بِالحَرَكَةِ بَعْدَ عَدَمِ الحَرَكَةِ يَقْتَضِي الِافْتِقارَ إلى مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى لِيُحَرِّكَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مَعْدُومَةً، أوْ بَعْدَ أنْ كانَتْ ساكِنَةً، وهَذا المَأْخَذُ أحْسَنُ المَآخِذِ وأقْواها.
وتاسِعُها: أنْ يُقالَ: إنَّ حَرَكاتِها إمّا أنْ تَكُونَ مِن لَوازِمِ جُسْمانِيَّتِها المُعَيَّنَةِ، لَكِنّا نَرى جُسْمانِيّاتِها المُعَيَّنَةَ مُنْفَكَّةً عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الحَرَكَةِ، فَإذَنْ كُلُّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ حَرَكَتِهِ لَيْسَ مِن لَوازِمِهِ، فافْتَقَرَتِ الأفْلاكُ في حَرَكاتِها إلى مُحَرِّكٍ مِن خارِجٍ، وذَلِكَ هو مُحَرِّكُ المُتَحَرِّكاتِ، ومُدَبِّرُ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ، وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى.